أبي منصور الماتريدي

221

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وأنهم لم يحاربوا عليها خيلا ولا ركابا ، وإذا لم يحاربوا على مدينة فغنموا مالا ، فهو مصروف في مصالح المسلمين لا تجري فيه السهام ، فكانت النضير على ما ذكر خالصة للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، يأخذ منها نفقة نسائه ، ويصرف سائرها إلى مصالح المسلمين . ومن الدليل على أن النضير لو احتيج فيها إلى حرب حاربهم النبي وأصحابه رجالة وجرت في غنائمهم القسمة - : أن قوما من المسلمين لو حاربوا اليوم على مدينة من مدائن الشرك رجالة ، قسم ما يغنم منها ؛ كما يقسم لو كان معهم فرسان . ومن الدليل على ذلك - أيضا - : أن الرجالة إذا كانوا مع الفرسان في الحرب ، قسم لهم كما يقسم للفارس خاصة ، فلو كانت الغنيمة إنما تقسم لسبب الخيل ما أعطى الرجالة منها شيئا ؛ إذ لا أفراس لهم ، وذلك يفسد ما ذكرنا لأبي يوسف . وقوله - عزّ وجل - : إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ . قال « 1 » بعضهم : هو صلة قوله : وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ، ثم قال : وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ ، أي : وإن تولوا هم وقد آمنتم أنتم ، فاعلموا أن الله مولاكم ، ليس بمولى لهم . وقالت طائفة : قوله : إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ ليس على الشرط على ألا تكون غنيمة إذا لم يكونوا مؤمنين ، ولا يجب العدل في القسمة إذا كانوا غير مؤمنين ، ولكن على التنبيه والإيقاظ ؛ كقوله : وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [ البقرة : 278 ] ، ليس على أنه لا يجب أن يذروه إذا لم يكونوا مؤمنين ، ولكن على ما ذكرنا ؛ فعلى ذلك الأوّل ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ . قيل : قوله : وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا : الملائكة الذين أرسلهم يوم بدر لنصرة المؤمنين « 2 » ، وأنزل عليهم المطر حتى شدّ الأرض بذلك ، فاستقرت أقدامهم وثبتت بعد ما كانت لا تقر الأقدام فيها ولا تثبت ، وشربوا منه ورووا بعد ما أصابهم العطش ؛ إذ كان المشركون أخذوا المال .

--> ( 1 ) في أ : وقال . ( 2 ) في ب : المسلمين . وقد روى البيهقي ، عن ابن عباس وحكيم بن حزام ، وإبراهيم التيمي قالوا : لما حضر القتال رفع رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يديه يسأل الله النصر وما وعده ، ويقول : « اللهم إن ظهروا على هذه العصابة ظهر الشرك ، وما يقوم لك دين » ، وأبو بكر يقول له : « والله لينصرنك الله وليبيضنّ وجهك » . وخفق رسول الله صلى اللّه عليه وسلم خفقة وهو في العريش ، ثم انتبه فأنزل الله - عزّ وجل - ألفا من الملائكة -